جعفر الخليلي
303
موسوعة العتبات المقدسة
« وقد كانت مراسلات فيصل لأبيه في تلك الظروف مجازفة بحد ذاتها . فقد كان يراسله بواسطة أتباع أسرته وحفدتها القدماء ممن كانوا فوق الشبهات ، وكان هؤلاء يذهبون ويعودون في قطار الحجاز وهم يحملون الرسائل في أغماد السيوف ، أو في داخل قطع « الكيك » ، أو مخاطة في أنعل الأحذية ، أو بكتابات غير منظورة على أوراق تلف بها رزم لا خطر فيها . وفي جميع هذه الرسائل كان فيصل يذكر أشياء غير سارة ، ويسترحم من والده تأجيل العمل في أي شيء كان إلى الوقت المناسب . « على أن الحسين لم يكن يتأثر بمثبطات الأمير فيصل ولو بمقدار ذرة ، لأن الاتحاديين الأتراك كانوا في نظره شرذمة من الأتراك الملاحدة الخارجين على الدين والإنسانية ، الخونة لروحية العصر ومصالح الاسلام العليا . ومع أنه كان رجلا كبيرا تجاوز الخامسة والستين من عمره ، فقد كان عازما على إعلان الحرب عليهم برحابة صدر واعتماده الوحيد في ذلك على عدالة قضيته . وقد كانت ثقة الحسين باللّه عظيمة بحيث ترك حسه العسكري بائرا غير مستغل ، وظن أن الحجاز يستطيع الوقوف ضد تركية في الحرب على قدم المساواة . ولذلك أنفذ عبد القادر العبدو يحمل رسالة إلى فيصل يقول فيها ان كل شيء كان جاهزا ليقوم هو بتفتيشه في المدينة قبل أن يبدأ بالزحف إلى الجبهة . فأخبر فيصل جمالا بالأمر ، وطلب ترخيصه للذهاب إلى المدينة ، غير أنه فوجىء بما أفزعه حينما رد عليه جمال يقول إن القائد العام ، أنور باشا ، كان في طريقه إلى هناك أيضا فإنهم سيزورون المدينة سوية فيفتشون الجيش فيها . وكان فيصل قد رتب أن يرفع علم والده القرمزي حالما يصل إلى المدينة ، ويباغت الأتراك على غفلة منهم ، بينما اضطر الآن إلى أن يرافق ضيفين ثقيلين يحتم واجب الضيافة العربية المحافظة عليهما وعدم مسهما بسوء ، وقد يؤدي ذلك إلى تأخير ما كان ينوي الأقدام عليه بحيث تتعرض أسرار الثورة كلها إلى الخطر بسببه . « على أن الأزمة انتهت بسلام بعد ذلك ، برغم ان سخرية الاستعراض